The-one-message

منتدى لكشف الحقائق
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 التصوف اليهودي والمسيحي والإسلامي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
The one message
Admin
avatar

ذكر الجوزاء النمر
عدد المساهمات : 641
تاريخ الميلاد : 06/06/1986
تاريخ التسجيل : 28/01/2011
العمر : 31

مُساهمةموضوع: التصوف اليهودي والمسيحي والإسلامي   الثلاثاء مارس 13, 2012 9:01 pm


التصوف اليهودي والمسيحي والإسلامي

يختلف مفهوم "التصوف" عن مفهوم "الدين"، إذ أن التصوف لا يحدّد إيماناً وممارسة تنزعان نحو ترقب حياة أخرى بعد الموت، وإنما هو يسعى إلى البحث عن تجربة إلهية تُعاش هنا على الأرض. ويتجلى التصوف تاريخياً بشكل مسارات فردية رائعة لرموز قدسية: ومن بين الآلاف من هذه الرموز، فلنفكر، على سبيل المثال، ببعل شيمتوف BAAL CHEMTOV (القرن الثامن عشر) بالنسبة إلى جماعات الهاسيدين الصوفية، وبيوحنا المعمدان (القرن السادس عشر) في الكاثوليكية، أو بالصوفي جلال الدين الرومي (القرن الثالث عشر). كما يمكن للتصوف أيضاً أن يثير تيارات روحية تستوحي من هذه النماذج جماعات الهاسيديم (أو الأتقياء)، الصوفية الكرملية، الأخوية المولوية – حتى نكتفي بالإشارة إلى الحالات المذكورة آنفاً. وقد لعبت هذه التيارات أحياناً دوراً مهماً في تاريخ الأديان السماوية الثلاثة.

يمكننا أن نلاحظ ملامح مشتركة لهذه التجربة الصوفية التوحيدية، تفرّق بينها وبين الروحانيات الشرقية (الهندوسية، البوذية، الطاوية) أو القديمة (الفيثاغورية، الأفلاطونية المحدثة). ذلك أن الله في الكتاب المقدس والقرآن يهتم بالبشر: يتجلى عليهم، ومن أجلهم، عبر الوحي.

ويقرأ المؤمنون تدخله في تاريخهم. ويدفع الصوفي برهانات هذه العلاقة ما بين الشخص البشري والحضور الإلهي إلى حدها الأقصى. وكثيراً ما يتم التعبير عن هذا اللقاء بتعابير حب متبادل بين الإنسان والله، حسب تماثل الحب البشري. ويستوحي التصوف اليهودي والمسيحي من نصوص من الكتاب المقدس مثل نشيد الأناشيد، أما الصوفية الإسلامية فقد أفاضت في شعر غنائي مذهل باللغة العربية (الحلاّج، 922م. أو ابن الفارض 1235م.) وبالفارسية (الرومي أو العراقي، 1289م.) وبالتركية (يونس عمري القرن الرابع عشر) إلخ. ونلاحظ هنا تقارب الرموز في الأجواء الدينية الثلاثة: النشوة بجمال الكائن المحبوب، ترقب حضوره، حنين الانفصال...

وقد رُسمت عاقبة هذا الحب، في الأجواء الدينية الثلاثة المذكورة، في نصوص تروي تجارب إنتشائية. وتتجلى في هذه التجارب أحياناً الذات الإلهية: تجلي العرش الإلهي في صوفية (الإله شار" (مركابا) في يهودية الزمن القديم المتأخر، في البعد الكوني للمسيح (هيلدغارد بنجين HILDEGARDE DE BINGEN القرن الثاني عشر)، الصعود السماوي مثل صعود النبي محمد (المعراج) في الصوفية. غير أنه يمكن لهذا الانخطاف أن لا يكون رؤيوّياً، وأن يظهر بشكل نشوة او افتتان صرف. نجد هذا المنحى الأخير، وهو أكثر تعقلية بفعل تأثره بفكر الأفلاطونية المحدثة، في صوفيات الأديان الثلاثة.

جرى في الأديان الثلاثة المعنية عرض هذه التجارب وتفسيرها في مذاهب أكثر منهجية، كما هو الأمر مثلاً مع تجارب أبو لفية (القرن الثالث عشر)، ويوحنا المعمدان، وابن عربي (1241م). يمكن لهذه المذاهب أن تميل نحو اتجاه يقول بوحدة الوجود. الله هو الحقيقة الوحيدة المطلقة، والروح الإنسانية هي انبعاث إلهي. كما يمكن لها أيضاً أن تحتفظ بمعنى شخصاني، معنى وحدة عشق متقطع تمنحه نعمة الخالق. فالله يبقى مفارقاً فائق السمو بالنسبة إلى الإنسان. ولكن مهما يكن فإن الهدف النهائي للجهد التصوفي هو الوصول إلى حالة الطهارة والقداسة، إلى التعاون الشامل ما بين بشرية وفعل إلهي، وإعادة ترميم الانسجام الذي كانت هدمته خطيئة آدم. فالقديس حلم صار "ناجزاً"، أي صار إنسانياً تماماً. وبفضل حضورها على الأرض، يمكن للبشرية المذنبة أن تكون. وهكذا فإن TSADIQ، في الحركة الهاسيدية، و"القطب" وتراتبية القديسين في الصوفية، وبشكل أعم، "مشاركة القديسين" في المسيحية، تترجم حدس الدور المركزي للقديسين في تاريخ البشرية قاطبة.

من المؤكد أن التجربة الصوفية ليست تجربة الكثيرين. ففي المسيحية هي شأن الرهبان، أو العلمانيين المعزولين (مدام غيون Madame Guyon) لكن في الإسلام واليهودية كثيراً ما مثّل التصوف قوة اجتماعية حقيقية (هاسيدية أوروبا الشرقية، الأخويات الصوفية ابتداء من القرن الثاني عشر).

هناك الآلاف، بل مئات الآلاف من المؤمنين الذين أعلنوا الولاء لمرشدين روحيين، وأولوهم ثقة مطلقة، بانتظار أن تتدفق بركاتهم عليهم. وكثيراً ما ارتابت السلطات الدينية، وكذلك علماء الدين، من العلاقة المباشرة مع الرب. ولكن على الرغم من بعض العقوبات المذهلة (الحلاّج، صُلب وقُطع رأسه في بغداد العام 922، مارغريت بوريتي Marguerite Poréte، أحرقت وهي حية في باريس العام 1310)، جرى التقيد بما كانت عليه الأوضاع. فالصوفيون ليسوا معارضين، بل إنهم عبّروا في معظم الأحيان عن احترام مطلق للدين السائد – اليهودية الحاخامية، الكنيسة، سنة الشريعة.

هذا مع العلم بأن التيارات الصوفية كشفت عن اختلافات عميقة في ما بينها تعود إلى اختلافات المراجع الدينية. ففي اليهودية، كما في الإسلام، يحتل الكتاب المُنزّل مكانة مركزية. فعبر الكتاب (التوراة، القرآن) والكلمة، عرّف الله بنفسه. وصارت الكتب، ومعها اللغات التي تحملها، ليس فقط وسائل معرفة، وإنما أيضاً إشعاعات فعّالة توجهها القوة الربانية، وسبل الالتقاء بالرب. وبهذا المعنى فإن القبلانية Kabbale اليهودية تقدم نفسها على أنها صوفية الكلمة. وتشهد على ذلك كتب القبالة الكبرى مثل "سفريتسرا" SEFER YETSIRA أو "زوهار" ZOHAR، وتعاليم إسحق لوريا IAAE LURIA (القرن السادس عشر): فللعالم، وبالتالي للإنسان، بنية بل قوام كلمة. وظهرت في الإسلام تيارات مشابهة بلغت أوجها في أعمال ابن عربي الهائلة، القائمة على فكرة أن دفعاً كونياً للكلمة/ الهام رباني خلق كافة العوالم. ولكن هنا أيضاً، فإذا كان ثمة تقارب، فإننا لا نجد هوية، فالدور الجماعي للشعب اليهودي كناقل للكلمة الربانية لا مثيل له في الصوفية. الإسلام هو دين الخلاص الفردي، وبالتالي لا يعبّر عن الانشغال بالخلاص الكوني، كما هو الأمر في التصوف اليهودي أو الروحانية المسيحية.

على النقيض من أديان "الكتاب" هذه، فإن الدين المسيحي القائم على ظهور الله بصورة يسوع الإنسان، أوجد تصوفاً تتواجد فيه الوساطة اليسوعية باستمرار. فالكتاب – العهد القديم والعهد الجديد- هو سبيل على طريق الحقيقة، ولكنه لا يتضمن حضوراً ربانياً، ويمكن ترجمته إلى لغات عدة من دون أن يفقد قيمته الروحية. فالمسألة بالنسبة إلى الصوفية ليست في أن "يصير الكتاب" وإنما هي في أن يصير المسيح. فالأحاسيس والرؤى والعقائد التي ولدت في إطار المسيحية تعبّر بأشكال مختلفة ومتنوعة عن فكرة "ألوهة" الكائن البشري في وبفعل الأنموذج الكامل الذي هو المسيح. هذا مع التأكيد والتشديد على ما في كل دين من تنوع في التيارات الصوفية. أعمق الانشقاقات ليست مذهبية، إنها هي تعبر مختلف التيارات الصوفية.

وليس ثمة شكلاً يهودياً، مسيحياً وإسلامياً للتجربة الصوفية، وإنما هناك أشكال متعددة، وكل تعميم يقع في خطأ كبير. أشرنا إلى التعارض بين الاتجاهات القائلة بوحدة الوجود وتلك القائلة بالشخصانية، بين الورع الرؤيوي وبين التعقلية، بين التصوف الإفتناني (بعل شمتوف، فرانسوا داسيس، الروحي) والتصوف "المعتدل". يمكننا أن نعتبر أن كل تجربة صوفية هي تجربة فريدة، وأن نتذكر أنها في النهاية لا توصف ويتضح بالتالي أن ثمة مجازفة كبرى في التأكيد على أن "كل المتصوفين قالوا الشيء نفسه". المتصوفة، في الأصل، لا يقولون "شيئاً"، وإنما هم يحاولون نقل تجربة تبدل الكائن البشري. وهذه تجربة فريدة من نوعها تماماً، ولا يمكن تحديداً أن تعبّر بكلمات عادية. تتطلب دراسة تعاليم المتصوفة العناية بدقة وبتواضع بفهم كلماتهم، مع الاهتمام بفهم المعاش الذي تريد ترجمته، على الأقل جزئياً.

قنطرة

_________________
البستان الجميل لا يخلو من الأفاعي
عظَمة عقلك تخلق لك الحساد وعظَمة قلبك تخلق لك الأصدقاء
من عاش بوجهين مات لا وجه له
الشجرة العاقر لا يقذفها أحد بحجر
الحياة مليئة بالحجارة فلا تتعثر بها بل إجمعها وابنِ بها سلما تصعد به نحو النجاح
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://the-one-message.syriaforums.net
 
التصوف اليهودي والمسيحي والإسلامي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
The-one-message :: الروحانيات :: غذاء الروح-
انتقل الى: